السبت، 10 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

حرب أوكرانيا: الاحتمالات الثلاثة الصعبة…؟!

أخذ الغرب، منذ العام 1991م، يتدخل في الشؤن الداخلية لأوكرانيا، وبشكل سافر، أحيانا. وساهم في وصول حكومة فولاديمير زيلينيسكي، الموالية له للسلطة. وأقيمت في أوكرانيا مصانع سرية للأسلحة البيولوجية والكيميائية، وبذل جهدا محموما لتهيئة أوكرانيا لعضوية الناتو. وفي ذات الوقت جمدت أمريكا اتفاقية عدم نشر الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى في شرق ووسط أوروبا. وكانت روسيا تراقب هذا الوضع بقلق، وغضب شديدين، حتى تفجر غضبها. ثم اندفعت لغزو أوكرانيا ابتداء من يوم 24 فبراير 2022م.
والملاحظ، امعان القيادة الأوكرانية، بزعامة زيلينيسكي، في مواصلة الحرب والقتال، والتماهي التام مع الاستراتيجية الغربية، في معركة خاسرة، أو شبه خاسرة، بالنسبة لبلدهم. فهم يواجهون قوة عسكرية عظمى، لن يستطيعوا الصمود أمامها، ناهيك عن الانتصار عليها، مهما تدفقت المساعدات العسكرية والسياسية إليهم من الغرب. والنتيجة النهائية ستكون مزيدا من العناء والتدمير للشعب الاوكراني. صحيح، ان ذلك قد يستنزف بعض قوى روسيا، ولكن قدر هذا الاستنزاف سيكون محدودا، ولا يتناسب مع حجم تدمير دولة كبيرة ومتقدمة مثل أوكرانيا.
وها هو أحد رؤساء دول الاتحاد الأوربي وحلف ناتو يشخص سياسة الغرب في أوكرانيا، ناصحا بتغييرها. فقد صرح الرئيس الكرواتي “زوران ميلانو فيتش”، في يناير 2023م، بقوله: “ان العقوبات ضد روسيا ضرب من الحماقة، ولا تحقق لأصحابها شيئا”. وتساءل عما : “إذا كان الجميع يريدون أن يكونوا عبيدا لواشنطن”. ومضى قائلا: “ان واشنطون والناتو، بمساعدتهم هذه لأوكرانيا، انما يخوضان حربا بالوكالة، ضد روسيا … وهي دولة خطيرة للغاية. وإذا بدأت بخسارة الحرب، فستطلق ستة الاف رأس نووي، وسيبكي الجميع”.
****
ان القيادة الأوكرانية الحالية تقدم بلادها قربانا لحلف ناتو، الذي لا يريد من ضمها اليه سوى “استخدامها” ضد جارتها، وشقيقتها، روسيا. فأي منطق يتبعه ساسة أوكرانيا، بإصرارهم على مواصلة الحرب، خاصة بعد أن اتضحت أهداف امريكا، ونواياها، تجاه بلادهم، وجيرانها؟! كان، ومازال، بإمكان قادة أوكرانيا مهادنة الروس، والتفاوض معهم، والبقاء على الحياد، لحماية بلادهم، وشعبها، من هذا التدمير الهائل. فغالبا لن يكسبوا من عضوية الناتو الا أن يصبحوا أول ضحايا الحرب مع روسيا.
لقد تجسد رد فعل الغرب (ناتو) على هذه العملية العسكرية الروسية، في عدة إجراءات مضادة خطيرة، من أهمها: التنديد الشديد بروسيا، وفرض عقوبات غير مسبوقة عليها، إضافة الى انشاء جسر جوي بين الغرب وأوكرانيا، لتزويد الأخيرة بأسلحة وصواريخ متطورة جدا، وتفعيل خطط الناتو الدفاعية، وانشاء مجموعات قتالية إضافية، في الجانب الشرقي للحلف، كل ذلك يجعل الغرب منخرطا في الحرب ضد روسيا، وان بشكل غير مباشر. أي اننا نشهد الان حربا ضروسا غير مباشرة بين الغرب وروسيا، توشك، لو “صعدت” قليلا، أن تصل لدرجة حرب شاملة مباشرة (ونووية)… حرب عالمية ثالثة، قد تكتب نهاية هذا العالم، كما نعرفه. ان لدى كل من أمريكا وروسيا فقط من الأسلحة النووية ما يمكن، لو استخدم، أن يدمر العالم ست مرات. ومن المستبعد ألا يستخدم هذا السلاع في أي اصطدام مباشر حاد بينهما، خاصة بعد أن وضعا ترسانتيهما النوويتان على “أهبة الاستعداد”.

****

ولا شك أن هناك تداعيات كثيرة، واثار مختلفة، محلية وإقليمية وعالمية، لهذه الأزمة العالمية الأكبر في الوقت الحالي. فهذه الازمة فرضت على العالم، وان بدرجات متفاوتة، عدة تحديات شائكة في كل جوانب الحياة العامة، تقريبا. صحيح، أن معظم هذه التحديات، مازالت “محتملة” (متوقعة) وليست متواجدة فعلا. ولكنها شبه واقعة. وان تفاقمت وتصاعدت الحرب، ستتفاقم هذه التداعيات. أن هذه الحرب قد طالت، بأكثر مما كان متوقعا. وقد تضع أوزارها قريبا، ما لم يتدخل حلف ناتو مباشرة (وهو أمر مستبعد، حتى الان) أو غير مباشرة، كما يفعل الان، عبر تقديم المزيد من الأسلحة المتنوعة والمتطورة لأوكرانيا.

ومعروف، ان روسيا وأوكرانيا تصدرا ما يعادل ثلث صادرات العالم من القمح والشعير، وغيرهما. الامر الذي يعطى هاتين الدولتين نفوذا، و”سلاحا غذائيا” هاما. وقد تسببت حرب روسيا على أوكرانيا في توقف الأخيرة عن الزراعة طيلة موسم 2022- 2023م، وربما ما بعده. وهذا يعني وقف صادراتها من هذه المواد الغذائية الحيوية. وحدوث نقص في المواد الغذائية، يفاقم من معاناة فقراء. الامر الذي ربما يؤدي الى عدم الاستقرار، ونشوب الاضطرابات في بلادهم. هذا، إضافة الى توقف انسياب النفط والغاز الروسي الى أوروبا، وما نجم عن هذا التوقف من مشاكل ومضايقات، كانت أوروبا في غنى عنها. ولكن، يظل أكبر وأخطر تداعيات هذه الحرب هي ارتفاع احتمالات حصول الكارثة الأكبر …وهي الاصطدام الهائل المباشر بين روسيا وحلف ناتو، وحدوث ما لا تحمد عقباه، أي الهلاك… لمعظم الاحياء بالأرض.

****

لقد دخلت هذه الحرب الشعواء عامها الثاني. ولا يلوح في الأفق ما يشير لقرب انتهائها. بل أن الدلائل تشير للعكس. ويبدو أن هناك ثلاثة احتمالات لهذه الحرب، في المدى القصير. اما أن تستمر أشهرا أخرى، أو يتم الاتفاق على حل سلمي بين الأطراف المعنية، أو تتفاقم … لتتسبب في حرب عالمية ثالثة، وأخيرة. وما يحصل من تصعيدات هائلة خطيرة، ربما يعجل بدفع أطراف هذه الحرب للتفاوض على حل سلمى… ينهى النزاع، أو يقلصه، ويقي البشرية شرور الهلاك النووي. ولكن يبدو أن الطرفين أبعد ما يكونا، بعد كل ما حدث، عن الحل السلمي. بل أصبحا أقرب للاشتباك المباشر، والوصول الى ما لا تحمد عقباه، خاصة ان استمر عنادهما، وتصلبهما، واصرارهما على فرض موقفيهما المتناقضين تماما، شكلا ومضمونا.

تريد روسيا الاحتفاظ بما أحتلته من الأراضي (المقاطعات الاربع وشبه جزيرة القرم) وعدم انضمام أوكرانيا لحلف ناتو. ويريد الغرب انسحاب القوات الروسية من كل الأراضي “الاوكرانية”، وضم أوكرانيا لكل من الاتحاد الاوروبي، وحلف ناتو. لذا، يبدو ان الاتفاق بين الجانبين (روسيا والغرب) على حل لهذا المأزق، يعتبر الان في عداد المستحيلات.

***********************************

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *