الأحد، 11 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

قـــــــرأت لك: “الدبلوماسية أخلاق ومهنة” للدكتور جمال رفة…؟!

ما زالت الكتب، والمنشورات الورقية، هي المصدر الرئيس للعلم والثقافة، والمعرفة، بصفة عامة، رغم التطور الهائل في الوسائل الإليكترونية، والتي مكنت القراء من امتلاك مكتبة صغيرة بكاملها، في شريحة، أو شريط، لا يزيد حجمه عن حجم عقلة الاصبع الواحد للإنسان. كما يسرت للقراء والباحثين، سهولة الحصول على أي معلومة، أو مرجع، أو وثيقة، يحتاجونها، في دقائق. ومع ذلك، يظل للمادة المطبوعة ورقيا مزايا، يعتقد أنها ستضمن استمرار تصدرها لمصادر المعرفة، ولو الى حين.

ومن مظاهر تقدم بلادنا، ومواكبتها للتطور العالمي، وخاصة العلمي والتقني والمعرفي، هي كثرة الإصدارات الثقافية، ونضجها، كماً ونوعا. وهذا ما يلاحظ مؤخرا. ففي كل أسبوع، تقريبا، يصدر الكاتب فلان، أو المسؤول علان، كتابا أكاديميا، أو علميا، أو تقنيا، أو أدبيا، أو فنيا …الخ. ومن العادات الجميلة اهداء الكتب، وتبادلها بين الأصدقاء والمعارف. ولكن القراءة لدينا ما زالت محدودة، وأقل مما يجب، كما تشير بعض الدراسات. ولم يواكب هذا التقدم الحضاري والتطور في النشر، مع الأسف، تطورا في الاقبال على القراءة.

وأرى، وأنا أكتب هذه الاسطر، عدة كتب في مكتبي، مهداة الى من أصدقاء وزملاء أعزاء. ونظرا لا فتراضى أنها مؤلفات قيمة، وبذل في إصدارها جهد ثمين، ولمعرفتي الوثيقة بمؤلفيها، وبارتفاع مستوى تفكيرهم، ونضج تجاربهم، فقد عزمت قراءة ولو بعضها، كتابا، بعد اخر، متى سنحت الفرصة لي، ثم كتابة ملخصا سريعا لبعضها… راجيا أن يجد القارئ الكريم فيما أكتب بعض ما قد يفيد. والواقع، ان تحليل محتوى كتاب في مقال صحفي لا يفي الكتاب حقه، ولا يوضح، ويلخص أهم مزاياه، وعيوبه، ولكنه يلقي الضوء على الكتاب المعنى، ويلفت النظر الى موضوعه الرئيس، لمن يهمه الامر، خاصة في حالتنا الثقافية التي تتسم بالرغبة في القراءة السريعة.

أما تحليل أي كتاب تحليلا علميا ونقديا ضافيا، فمكانه الدوريات العلمية، وليس الصحف السيارة، كما سبق وأشرت. وقد يسعفني الوقت، وتمكنني الصحة، من كتابة تحليلات علمية، لبعض الكتب، على الأقل. وليس القصد بالكتابة هنا تقديم مجاملة لاحد، أو محاباة لإنتاجه. بل ان المقصود هو التقييم الانتقادي السريع لمضمون كل كتاب، والإشارة للمعلومات التي أعتقد أنه يستحسن للمثقف السعودي الاطلاع عليها، ولو من باب المعرفة بالشيء، وأخذ الحكمة من التجارب الناجحة. كما ان الكتابة عن الكتب قد تبعدنا بعض الشيء عن الخوض في “السياسة”، هذا المجال الشائك، وان كنت أؤمن بان السياسة داخلة، وبقوة، في كل شيء، بما في ذلك مؤلفات، و”مذكرات” النخبة.

****

وقد اخترت اليوم كتاب الأخ الكريم السفير الدكتور جمال عبد العزيز رفة، الذي أصدره قبل سنوات، وهو بعنوان: الدبلوماسية : أخلاق ومهنة / أخلاقيات الدبلوماسية (جدة : المؤلف، 1431هـ). يقع الكتاب في 198صفحة من النوع المتوسط. وتحتل “أهم الاستنتاجات” و”الملاحق”، والمراجع فيه، الـ 28 صفحة الاخيرة. ومن التصفح الأولى، نجد الكتاب عبارة عن: رفض للسلوك الميكافيللي في السياسة والدبلوماسية، والنصح بالتمسك بالأخلاق الحسنة، خاصة بمرجعيتها الإسلامية. فهذا هو “ما يجب أن يكون”، في: “ممارسة الدبلوماسية في عالم اليوم، الذي تدهورت اخلاقه، في كل المجالات، وعلى كل المستويات… فقد أصبح العالم اليوم عالما تحكمه المصالح، وضعفت فيه الفضيلة والعدل”، كما قال المؤلف في رسالة اهدائه. ويحفل هذا الكتاب بمعلومات دبلوماسية ثمينة، خاصة عن الدبلوماسية السعودية، ومواقف وأمثلة، مورست فيها الخبرة، والحكمة، في إطار التمسك بالأخلاق الفاضلة، والعكس.

قسم هذا الكتاب (بعد التقديم، والمقدمــة) الى: ثلاثة فصول، كانت عناوينها ومواضيعها كما يلي:

– الفصل الأول : الدبلوماسية / الدبلوماسية السعودية.
– الفصل الثاني : تطور التمثيل الدبلوماسي في المملكة العربية السعودية.
– تطور التمثيل الدبلوماسي.
– العلاقات القنصلية.
– الفصل الثالث : الاخلاق والمهنة :
ثم يورد الكاتب، بعد ذلك، ملحقين، فـ “أهم النتائج والتوصيات”، ثم مراجع الكتاب.

وقد ازدان هذا الكتاب بـ “تقــــــديم” ضاف، وموجز من أحد أبرز الساسة والدبلوماسيين السعوديين المخضرمين، حضرة صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل. ومما جاء في تقديم سموه الكريم ما يلي: ” عندما قرأت كتاب الدكتور جمال بن عبد العزيز رفة، تمنيت لو أنه كان قد كتبه قبل أن أعين سفيرا في خدمة سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك المفدى. وذلك، لأنني وجدت من الارشاد والتوجيه والتوضيح، عن مهنة الدبلوماسية، ما كان سيقيني من الوقوع في أخطاء، ان كانت سلوكية، أو إدارية، اثناء عملي.

وحبذا لو تفضلت وزارة الخارجية بتزويد كل موظف لديها بنسخة منه، ليستفيد منها. فلغة الكتاب هي لغة السهل الممتنع، وفحوى الكتاب تكمن في المثل القائل : خير الكلام ما قل ودل”.

****

وقبل الاسترسال في الحديث عن مواضيع هذا الكتاب، لابد من توضيح أمر هام بشأنه. اذ يتوجب على الاعتذار للكاتب الكريم، على تأخري (الطويل) في قراءة هذا الكتاب، الذي كان “ضائعا” في مكتبتي، ولأكثر من عقد من الزمن. فمؤخرا، أوكل الى قسم العلوم السياسية بجامعتنا الموقرة، تدريس مادة “الدبلوماسية والمفاوضات”. ونظرا لانقطاعي عن التدريس لسنوات، كنت في أمس الحاجة لمراجع في هذا الموضوع. والحمد لله، وجدت بمكتبتي عدة مراجع، ومنها كتاب الدكتور جمال رفة، الذي تكرم بإهدائه الى بخطاب اهداء، مؤرخ في 1/1/1432هـ. ولكن هذا الكتاب “اختفى” من متناولي، منذ ذلك الحين. وأخيرا، وجدته، واستفدت من قراءته.

****

وكما هو معروف، أضحت “الدبلوماسية” علم وفن. أي مهنة تحتاج، فيمن يحترفها، العلم العميق، خاصة في مجال السياسة والعلاقات الدولية. كما تحتاج الى الشخصية الوطنية الذكية واللماحة، ذات الحكمة والكياسة، وحسن التصرف في المواقف المختلفة. وبالطبع، فان الاخلاق الحسنة مطلوبة، ومحترمة من قبل الجميع، بما في ذلك المجرمين، وشواذ البشر. وديننا الإسلامي الحنيف يحتم علينا دائما “الدفع بالتي هي أحسن”. ومع كل ذلك، فان على الدبلوماسي، أيا كان دينه، أو أخلاقه، أن يتعامل بحذر وذكاء مع كل من حوله، وألا يفترض حسن النية في جميع من يعرف. هناك نسبة كبيرة من البشر، الغاية لديها تبرر الوسيلة، وان ظهرت بمظهر المتحضر الإنساني اللطيف. ونكتفي بهذا القدر لنفاذ الحيز.

***********************************

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *