نبحر معاً... في سماء الكلمة والخبر..

الماض المقبول

يتناقل الناس في أحاديثهم بين بعضهم البعض دائماً  صعوبة ومشقة الأيام الحالية التي يعيشونها وثقلها وعدم مقدرتهم على مجاراة الأحداث والمواقف الحاصلة. ولكن!! بمجرد الحديث عن الماضي تلمح في أعينهم تلك السعادة واستحضار الأحداث والذكرى السعيدة أو على الأقل  تجعلهم  يبتسمون كلما استحضروا  بعضاً من تفاصيله .

ما الذي يجعل الماضي مقبول و جميل؟

إن الذي يجعل الماضي مقبول وأكثر جمالاً  في أعين الناس هي نعمتين أنعم الله بها علينا

النعمة الأولى:  التكيّف، حيث دائما في بداية أي حدث مؤلم أو مشكلة أو تغير مفاجئ، يصيبنا القلق والتوتر ورفض الواقع ورغبة قوية وملحة لتغييره ، وصعوبة لتقبله والإعتراف به . ولكن! مع مرور الوقت نتعود عليه وعلى تقبل وجوده ونبدأ في تكييف ذواتنا وظروفنا وشخصياتنا وتصرفاتنا على نوع الحدث ومداه وأثره والتعامل معه.

مثال: ذلك الشخص في العائلة الذي يصاب بمرض عضال ، في بداية الأمر ترفض الأُسرة تقبل الفكرة وعدم تصديق النتيجة والتشكيك بالفحوصات وطلب إعادتها ورفض الواقع المرير ، ولكن مع مرور الزمن ندرك ان تلك هي الحقيقة وندرك ان لا خيار آخر غير التكيف معها وقبولها وتهيئة أنفسنا للتعاطي معها وتخفيف أثرها بقدر الإمكان بل وستكون ضمن جدولنا وخططنا اليومية من محافظة على مواعيد زيارة الاطباء ، والفحوصات الدورية ، والمواظبة على العلاجات في مواعيدها والتخفيف من حجمها وثقلها على المصاب.

النعمة الثانية هي نعمة النسيان ،  حيث يبدأ أي شخص عندما يتعرض لمشكلة بالإحساس بها وادراكها ثم التعامل معها ، ثم إعطاء نفسه الوقت الكافي للتخلص من ألمها  ثم مع مرور الزمن يقل حجمها ثم تدريجيا ينساها ، ولا يتبقَ منها سوى ذكرى تجول بالخاطر بين الحين والأخر.

عندها سوف تتذكر بعض الاحداث ولكن لن تعيشها بتفاصيلها كما في السابق .. وسوف تكون فخور بذاتك كيف تعاملت معها وتجاوزتها و استخدمت حكمتك لتمريرها فسوف تزورك لقطات منها بسيطة بين الفيّنة والأخرى لتتركك مبتسماً مستعجباً من امكانياتك,  متوقعا ان قدرتك في الماضي على التجاوز والتناسي كانت اكبر.. وانت لا تعلم بأنك الى الأن قادر وفي كل وقت وحين على النسيان ولكن عندما تكون جاهز لتقبل الواقع والسماح للألم بالرحيل.   

تلك النعمتين التي أنعم الله بها علينا . التكيّف والنسيان تساعد لصقل شخصية الإنسان وتهيئته لتجارب عديدة وجديدة قد تمر بها حياته كمنعطفات تأخذه يمنة ويسرة ليرسو على شاطئ الخبرات الكثيرة في التحمل والتعايش وتصريف الأمور وتصنيفها ليصبح فيما بعد خبير محنك مرت عليه اصعب انواع التجارب واستطاع ان يتجاوزها .

Print Friendly, PDF & Email
2 تعليقات
  1. Am يقول

    الربط في بداية المقال كمدخل جدا مناسب للتدرج في الاستيعاب
    فعلا من اعظم النعم التي منحنا الله اياها القدرة على التكيف ومن ثم تقبل اي وضع مترتب عليه
    بارك الله في علمك استاذتنا ?

  2. فاتن يقول

    شاكرة لك مرورك وتعليقك وتحفيزك .. رفع الله قدرك واسعدك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.