نبحر معاً... في سماء الكلمة والخبر..

أوكـــرانيـــا : خطـــر فـــادح جــــديد… ؟!

بقلم د . صدقة بن يحي فاضل

دفع الغرب روسيا دفعا لغزو أوكرانيا. اذ نكث بوعوده، وتعهداته، بعدم توسع حلفه (ناتو) شرقا. لكنه استغل انشغال روسيا في مشاكلها الداخلية، فتوسع الى حدودها الغربية. وضم دولا متاخمة لروسيا، واضعا بعض قواته وصواريخه قرب البر الروسي. وعندما قويت روسيا، تنبهت لهذا الاقتراب سيء المقصد، وبدأت تدعو لوقفه. ولكن الغرب استمر في التوسع شرقا، غير مبال بالمخاوف الأمنية الروسية المشروعة، وغيرها. فقرر ضم أوكرانيا للناتو، وهي الدولة الاقرب لروسيا. عمل ذلك، رغم وجود نسبة كبيرة من الاوكرانيين تميل لروسيا، ورغم تحذير روسيا بعدم ضم أوكرانيا للناتو، لان ذلك يهدد أمنها القومي بالفعل، لدرجة خطيرة جدا.
تدخل الغرب، بشكل سافر، في الشؤن الداخلية لأوكرانيا، وساهم في وصول حكومة فولاديمير زيلينيسكي، الموالية، والعميلة، له للسلطة. وأقام بأوكرانيا مصانع سرية للأسلحة البيولوجية والكيميائية، ورادارات للتجسس على روسيا. وبذل جهدا محموما لتهيئة أوكرانيا لعضوية الناتو. وكانت روسيا تراقب هذا الوضع بقلق، وغضب شديدين، حتى تفجر غضبها، فاندفعت لغزو أوكرانيا ابتداء من يوم 4 فبراير 2022م.
****
والملاحظ، امعان القيادة الأوكرانية، بزعامة زيلينيسكي، في مواصلة الحرب والقتال، والتماهي التام مع الخطة الغربية، في معركة خاسرة تماما، بالنسبة لبلدهم. فهم يواجهون قوة عسكرية عظمى، لن يستطيعوا الصمود أمامها، ناهيك عن الانتصار عليها، مهما تدفقت المساعدات العسكرية والسياسية إليهم من الغرب. والنتيجة النهائية ستكون مزيدا من العناء والتدمير للشعب الاوكراني. صحيح، ان ذلك قد يستنزف بعض قوى روسيا، ولكن قدر هذا الاستنزاف سيكون محدودا، ولا يتناسب مع حجم تدمير دولة كبيرة ومتقدمة مثل أوكرانيا. فأي منطق يتبعه ساسة أوكرانيا، بإصرارهم على مواصلة الحرب، خاصة بعد أن اتضحت أهداف الغرب، ونواياه، تجاه بلادهم، وجيرانها؟! كان، ومازال، بإمكان حكومة أوكرانيا مهادنة الروس، والتفاوض معهم، والبقاء على الحياد، لحماية بلادهم، وشعبها، من هذا التدمير الهائل. فغالبا لن يكسبوا من عضوية الناتو الا أن يصبحوا “في فم المدفع”.
****

ومعروف، ان رد فعل الغرب (ناتو) على هذه العملية العسكرية الروسية، تجسد في عدة إجراءات مضادة خطيرة، من أهمها: التنديد الشديد بروسيا، وفرض عقوبات غير مسبوقة عليها، إضافة الى انشاء جسر جوي بين الغرب وأوكرانيا، لتزويد الأخيرة بأسلحة وصواريخ متطورة جدا، وغير ذلك. كل هذا يجعل الغرب منخرطا في الحرب ضد روسيا، وان بشكل غير مباشر. أي اننا نشهد الان حربا ضروسا غير مباشرة بين الغرب وروسيا، توشك، لو “صعدت” قليلا، أن تصل لدرجة حرب شاملة مباشرة (ونووية)… حرب عالمية ثالثة، قد تكتب نهاية هذا العالم، كما نعرفه. فمن المستبعد ألا يستخدم السلاح النووي في أي اصطدام مباشر حاد بينهما، خاصة بعد أن وضعا ترسانتيهما النوويتان على “أهبة الاستعداد”.

****

ولم تقتصر تداعيات هذه الحرب السلبية على أوكرانيا وحدها، بل طالت كل أوروبا، ومعظم أرجاء العالم. ومن أهم هذه التداعيات الخطيرة : انخفاض ووقف امدادات النفط والغاز الروسي الى أوروبا، توقف صادرات القمح والحبوب من أوكرانيا وروسيا الى بلاد هي في أمس الحاجة اليها. إضافة الى خلق بؤرة توتر عالمي خطير… قد يتفاقم، ليصل الى الاصطدام المباشر بين روسيا، وحلفائها من جهة، وحلف ناتو من الجهة الأخرى. فقد وضعت هذه الازمة أمن وسلامة العالم، وليس القارة العجوز فقط، على كف عفريت.
ومؤخرا، استجد خطر فادح جديد لهذه الحرب، ألا وهو خطر تسرب الاشعاع النووي ( NRH: Nuclear Radiation Hazard) من ثالث أكبر محطة نووية في العالم، وهي محطة “زابوريجيا” النووية، التي تسيطر القوات الروسية عليها منذ مارس 2022م، وترابط فيها هذه القوات حتى الان. وقد اتهم وزير خارجية أوكرانيا القوات الروسية بقصف هذه المحطة عدة مرات، والتسبب في تسرب الاشعاع منها، والعمل لتكرار كارثة “شيرنوبل”. بينما ردت روسيا بالقول ان القوات الأوكرانية هي التي تقصف هذه المحطة، وتتهم الروس بذلك. وكيف لروسيا أن تقصف محطة تحتلها؟! وهذه الاتهامات المتبادلة لا توقف الخطر المحدق الذي ستحدثه هذه المحطة في حالة تحطم أحد مفاعلاتها، وتسرب الاشعاع القاتل منه، تجاه ما حولها، وصولا ربما لعمق أوروبا.
****
شيدت زابوريجيا عام 1980م، وتحتوى على ستة مفاعلات (ماء مضغوط). وشغل مفاعلها السادس عام 1995م. وتعتبر المحطة الأكبر من نوعها في أوروبا، وثالث أكبر محطة في العالم. وتولد الكهرباء، مغطية حوالي 20% من استهلاك أوكرانيا من الكهرباء. وتبعد بحوالي 500 كيلومتر عن موقع “شيرنوبل”، الذي شهد أسوأ حادث تسرب نووي كارثي، حتى الان، والذي وقع عام 1986م، وأسفر عن مقتل 36 شخصا، واصابة أكثر من ألفي شخص.
تحبس أوروبا بخاصة أنفاسها الان، خشية تسرب الاشعاع النووي من زابوريجيا، بكميات قاتلة. وحذر الأمين العام للأمم المتحدة من كارثة نووية، مطالبا بوقف القتال قرب المحطة. أما رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، السيد رافائيل جروسي، الداعم لإسرائيل، والمتكتم على نشاطها وسلاحها النووي، فزار المحطة مع فريق من الوكالة، للعمل لحمايتها، وسلامتها.

****
لقد مضى على هذه الحرب حوالي نصف عام. ولا يلوح في الأفق ما يشير لقرب انتهائها. ويبدو أن هناك ثلاثة احتمالات لهذه الحرب، في المدى القصير. اما أن تستمر ستة أشهر أخرى، أو يتم الاتفاق على حل سلمي بين الأطراف المعنية، أو تتفاقم … لتتسبب في حرب عالمية ثالثة، وأخيرة. ان ما يحصل في زابوريجيا قد يعجل بدفع أطراف هذه الحرب للتفاوض على حل سلمى… ينهى النزاع، أو يقلصه، ويقي المعنيين شرور الهلاك النووي.
********************************************

Print Friendly, PDF & Email
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.