صحيفة عصف الأخبارية
نبحر معاً... في سماء الكلمة والخبر..

السياسة الأمريكية القادمة بالمنطقة…؟!

بقلم/ أ.د. صدقة فاضل

إن مدى “قوة” أي دولة يقاس بالنسبة لغيرها من الدول النظيرة. وما حصل بأميركا في عهد ترمب هو: تدهور (نسبى) في مدى قوتها، قابله تصاعد (نسبى) في مدى قوة دول أخرى منافسة، وبالتحديد: الصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي. وهذه الحقيقة هي التي، لو تفاقمت في عهد الرئيس بايدن، ستؤدي لاحقا لتحول النظام العالمي، من نظام القطب الواحد إلى نظام الأقطاب المتعددة.
لابد من تذكر هذه الحقيقة عند محاولة التعرف على الخطوط العامة لسياسات الإدارة الأمريكية الجديدة المختلفة، إدارة جوزيف بايدن الديمقراطي، على الساحتين الداخلية والخارجية. ولاشك أن سياسات أمريكا، سواء الداخلية أو الخارجية، ستظل تهم كل العالم، لما لها من تأثيرات واسعة… تتجاوز – بالطبع – الحدود الدولية، لعدة أسباب، أهمها: كون الاقتصاد الأمريكي يمثل حوالي ربع اقتصاد كل العالم، وكون الولايات المتحدة أقوى دولة عسكرياً، وتقنيا.
**
الاولوية الان لتجاوز أميركا الأزمة الصحية-الاقتصادية الخانقة التي بدأت تعانى منها، نتيجة لانتشار وباء كورونا، والتي تفاقمت مؤخرا، وتكاد تؤدي إلى ركود اقتصادي قاتل… يتسبب في تدهور مكانة أميركا واضعافها أكثر. وذلك هو الامر الاهم في بداية عهد الرئيس جو بايدن. ولنا أن نتخيل “تبعات” هذه الأزمة الصحية الاقتصادية، وما ينجم عن هذه التبعات من معاناة اقتصادية خطيرة، بالنسبة للولايات المتحدة، ولغيرها.
ماذا نتوقع من تغييرات محتملة في سياسات أميركا، بدءا من 20 يناير 2021 م؟! أو ما هي أهم ملامح السياسة الأمريكية، الداخلية والخارجية، لحكومة جو بايدن؟! في الواقع، يمكن الجزم بأن الهم الداخلي لحكومة بايدن ستكون له الأولوية الأولى على كل ما عداه، كما أشرنا. فترتيب البيت من المنطقي أن يأتي أولاً، في كل الأحوال. لذا، فإن إدارة بايدن ستظل تركز جهدها الأكبر على الداخل، فهي ترث إرثاً كبيرا من المشاكل والأزمات. ولاشك، أن التعامل مع تبعات جائحة كورونا، والتي لم تتمكن ادارة ترمب من تجاوزها، جزئيا أو كليا، ستكون لدى إدارة بايدن أولوية الأولويات. وهو اهتمام في محله. فان لم تحل هذه الأزمة تماما، فستنتج عنها غالبا عدة أزمات وكوارث ومشاكل، منها: الكساد، إفلاس الشركات الكبرى، البطالة، تفاقم الفقر، الضعف على الساحة الدولية… الخ. لهذا، فان ادارة بايدن تولى هذا الملف جل اهتمامها. وقد بادر بايدن، بعد ستة أيام من انتخابه، بتشكيل فريقه لمكافحة كورونا.
**
أما على المستوى الخارجي، فإن أجندة هذه الإدارة مليئة أيضا بمواضيع شائكة وقضايا كبرى ساخنة، تأتى العلاقة مع الصين في مقدمتها. ومن تحليل الاحداث المعنية وتوجهات واهتمامات إدارة بايدن، يمكن القول بأن : سياسة اميركا المتوقعة، تجاه المنطقة العربية، أى نحو الوضع العام بالمنطقة متجليا في قضاياها الاهم، هي كالتالي، مرتبة ترتيباً تنازلياً (حسب الأهمية) الأكثر أهمية، فالأهم :
*- محاربة ما تسميه أميركا بـ “الإرهاب”: ان الحرب على الإرهاب سيظل هدفا امريكيا، في السنوات الأولى (على الأقل) من تولي بايدن للسلطة.
*- الوضع السياسي المضطرب والملتهب في كل من : سوريا، اليمن، ليبيا، وغيرها. ويحتمل أن نشهد محاولات أمريكية جادة لإنهاء هذا الاضطراب.
*- الملف النووي الإيراني: ستواصل إدارة جو بايدن الضغط الأمريكي على إيران … للحيلولة دون امتلاكها لسلاح نووي. ويتوقع البعض ابرام اتفاق نووي جديد مع ايران، بضمانات ايرانية أكبر. كما يتوقع البعض الاخر عودة امريكا الى نفس الاتفاق الذى عقد بين ايران، ومجموعة 5+1 ، عام 215م. ويبدو أن إدارته لا تستبعد الخيار العسكري تجاه إيران، على الأقل في المدى الطويل. وهذه الإدارة قد تؤيد قيام إسرائيل بشن هجوم عسكري على المنشآت النووية الإيرانية… موفرة غطاءاً سياسياً لهذا الهجوم. وستقف القوات الأمريكية بالمنطقة على أهبة الاستعداد… للرد على أي “رد فعل” إيراني عسكري ضدها. وفي هذه الحالة ستدخل أمريكا الحرب بادعاء أنها أجبرت على دخولها… دفاعاً عن النفس؟! وربما تتبنى إدارة بايدن هذا الخيار لاحقا، إن فشلت محاولات التفاهم الدبلوماسي مع طهران.
ومؤخرا أعلنت ادارة الرئيس بايدن، على لسان وزير الخارجية الأمريكي الجديد، انتوني بلينكن أن أميركا ستعود للاتفاق النووي مع ايران على ان يتضمن نقطتين اضافيتين، هما : أن يشمل الاتفاق وقف تطوير الصواريخ الباليستية الايرانية، وأن تغير ايران من سياساتها الاقليمية الحالية. ولكن ايران ترفض كل ذلك، وتدعو أميركا للعودة الى الاتفاقية، دون أي شروط اضافية.
**
*- قضية الصراع العربي – الإسرائيلي: وهذا الاهتمام يأتي – كما نرى – في المرتبة الرابعة على سلم أولويات سياسة بايدن بالمنطقة، رغم إن تسوية الصراع العربي– الإسرائيلي تستحق أن تكون على رأس أولويات أي رئيس أمريكي، لما يسببه استمرار هذا الصراع من توتر إقليمي ودولي خطير. ولكن الشواهد تشير إلى أن هذه القضية ستحتل مرتبة متأخرة في قائمة الأولويات بالمنطقة العربية، رغم ما ترتكبه إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني. وذلك يعني المزيد من المعاناة للفلسطينيين، والمنطقة. وقد استعد الصهاينة لمقاومة أي ضغوط من إدارة بايدن في اتجاه حل الدولتين…؟! وذلك رغم أن بايدن من أشد مؤيدي الصهيونية، ولا يتوقع أن يمارس ضغوطا تذكر على الكيان الصهيوني، لقبول حل الدولتين المجمع عليه عالميا، خاصة بعد تطورات العلاقات الاقليمية الاخيرة.
*- ما يسميه الديمقراطيون الامريكيون بقضية “الإصلاح” وحقوق الانسان بالمنطقة: ستثار بزخم أكبر، في المستقبل القريب، كما يبدو.
****************

* أستاذ علوم السياسة

Print Friendly, PDF & Email

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تعليقات