نبحر معاً... في سماء الكلمة والخبر..

التربية النفسية

بقلم/ أ. سها حريري

- Advertisement -

جائتني طفله وانا اجلس على كورنيش جده تبيعني مجموعة من الفوط التي تستخدم عادةً للتنظيف، أعجبت بها و بصغر حجمها الذي في نظري يأخذ عمر لا يتجاوز الثلاث سنوات، فحاولت الحديث معها وابديت لها عدم حاجتي لما تبيع، لكن تفاجئت بعدم قدرتها على الحديث لصغر سنها وأشفقت عليها من الحمل الثقيل جدًا الذي تحمله فمددت يدي لها بمبلغ اكثر من الذي تريده ثمن للفوط، لكنها رفضت بشده وأمام اصراري عليها ذهبت بعيدا لتخبرني أنها لا تستجدي مالاً وإنما تريد أخذه بمقابل، وفي هذه الأثناء جائت أخرى أكبر منها تخبيء القليل من “الفيشار” وأعطته لها، فأخذته مسرعه بفرحه تملأ وجهها الصغير الجميل، ثم بدأت بأكله وكأنها تتلذذ بحباته، فأشرت للكبرى وتحدثت اليها فعرفت منها أن عمرها ثمان سنوات وأختها الصغرى تقريبا ثلاث سنوات، وبعد أن اشتريت منهما نادى عليهما صوت من بعيد فعرفت أنه أخوهما الأكبر، فركضتا اليه مسرعتان ولم يكن يتجاوز العشر سنوات، فرأيته يوبخهما لجلوسهم وهو يبحث خائفًا عليهم وهما تقفان مطئطئتان الرأس احتراما له.

انتهى المشهد أمامي بإختفائهم عن نظري ولكن لم تغب عن عيني تلك القيم التي رأيتها في عزة النفس من الطفله التي لم تتجاوز الأربع سنوات وقوة تحملها وحرصها على ماتحمل من أغراض وحنان أختها عليها التي أبقت لها نصيباً مما أكلت واحترامهما لأخوهما، فقلت تلك هي التربيه النفسيه بصورتها العمليه مجسده في أطفال الشوارع كما يطلق عليهم البعض.

هذه الفئه من الأطفال الذين حرموا الطفوله بكل معانيها ولم يبقى لهم منها سوى صغر أجسادهم التي تعبر عن صغر أعمارهم وضئالتها أمام الأحمال التي يحملونها والأشغال التي يكلفون بها من قبل أهاليهم ليعاونوهم على العيش.

التربيه النفسيه هي أبعد ماتكون عن الدلال المفرط وتلبية رغبات وطلبات الطفل بشكل دائم وسريع بدون حوار يجعله يفكر فيما عنده، كما أنها لا تعني الخوف على الطفل بشكل يمنعه من اكتشاف قدراته وعمل كل الأشياء نيابةً عنه، ولا تعني التغاضي عن عدم احترامه لمن هو أكبر منه، ولا تركه يأخذ مالا يستحقه أو التعدي على أشياء الغير.

التربيه النفسيه هي الحوار الدائم مع الطفل وتشجيعه على الترتيب لأغراضه الخاصه، وتقنين طلباته حسب احتياجاته العمريه، وتكليفه بمهام في المنزل أو خارجه لمساعدة الأهل بما يتناسب مع مرحلته العمريه، كما أن أهم أهدافها تعليمه الأدب والإحترام الذي قال عنه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : (ليس منا من لم يرحم صغيرنا و يوقر كبيرنا) ومن هذا المبدأ علينا كمجتمع نتكاتف لرحمة أطفال الشوارع بعمل فعاليات تطوعيه خاصه بهم في أماكن تواجدهم حيث يعملون في الشوارع، تشتمل تلك الفعاليات على التعليم واللعب اللذين حرموا منهما، كما علينا توظيف تلك الطاقات في خدمة المجتمع من خلال ادخالهم في ورش عمل مجانيه تطور قدراتهم وتستغلها بتعليمهم المهن الصناعيه و الخدميه التي تعود على مجتمعنا بالفوائد الأخلاقيه والإقتصاديه العاليه.

لاسيما أن تلك الفعاليات ستسهم بتربية أبنائنا التربيه النفسيه والدينيه السليمه حيث تفاعلهم مع هذه الفئه من المجتمع يعزز لديهم الإنسانيه والتعاون مع الغير، وروح المساواة بينهم كأطفال، مايشعر أولئك الأطفال بالإنتماء للمجتمع وسحب روح العدائيه التي قد تنشأ لديهم وماينتج عنها من التخريب لمنشآت الدوله، والسرقات بكل أنواعها إبتداءً من سرقة الممتلكات الشخصيه للأفراد، أو سرقة السيارات،أو تخريبها وما إلى ذلك.

قال سيد الخلق عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم : (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه) والرفق بهؤولاء الأطفال هو أساس التربيه النفسيه والدينيه الصحيحه والبنّائه للمجتمع، وهو خير كبير للأسرة بكل أفرادها ومن ثم للمجتمع، فقد قال عليه الصلاة والسلام : ( من يحرم الرفق يحرم الخير كله).

Print Friendly, PDF & Email

رؤيتنا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.