نبحر معاً... في سماء الكلمة والخبر..

تاريخ صناعة العطور

عصف الإخبارية – هالة المحمود

لصناعة العطور تاريخ طويل، فمنذ القدم سعى الكهنة المصريون إلى تطوير مفهوم جديد ليكونوا الأوائل في هذا المجال، لقد كان “كيفي” (نوع من أنواع البخور الآسر المستخدم كدواء ومعطّر في الطقوس المصريّة القديمة)، يتكوّن من نبتة الميموزا والقرفة والنعناع ونبتة المرّ، على عكس المصريين، كانت العطور في العصور الرومانيّة متاحة للعديد من الناس، حيث كانت الروائح الرخيصة تباع على شكل مزهريات من السيراميك في حين يتم ملء العطور الأكثر تكلفة في قوارير خزفية يمكن شراؤها فقط من المحلات التجارية.
تعددت استخدامات العطور، وانتشرت لدى الاغريق والرومان واصبحت تُستعمل لتعطير الجسم وللتخلّص من الهواء الفاسد أو الملوث والتي كانت انذاك سبباً في انتشار الأمراض، كتب (أبقراط) – أبو الطب الحديث وأعظم أطباء عصره : أن الهواء الفاسد يمكن يتنقل عن طريق الرياح وبالتالي يُعتبر المسؤول الأوّل على انتقال الأمراض الخطيرة ، ويعتقد الناس أنه باستخدام البخور والروائح العطرة يمكن أن يساهموا في وقف انتشار هذه الأمراض.
ساهمت الثقافة الإسلامية بشكل كبير في تطوير صناعة العطور واستخراج الزيوت من خلال التقطير بالبخار، وإدخال مواد خام جديدة ، وكانت الوصايا الدينية الإسلامية التي تحث على الاغتسال والتطيّب قبل أداء الصلوات وخاصةً صلاة الجمعة باعثاً كبيراً للاهتمام بهذه الصناعة وتحسينها ، فاستخدموا المسك والورود والعنبر، ومواد أخرى، مثل التوابل والأخشاب الثمينة التي جلبها التجار من أفريقيا وبلاد السند ، كما مزج المسلمون خلاصة العطور مع اسمنت البناء الذي بنيت به حوائط المساجد وحرصوا على تعطير المنبر والفرش ، ودفع ذلك الكيميائيين المسلمين إلى تطوير آليات أقل تكلفة لإنتاج هذه الكميات الكبيرة من العطور.
 
لقد أحسن العلماء استخدام معدات التقطير وساهموا بالكثير في مجال الصيدلة آنذاك، حيث سمحت لهم هذه الاكتشافات الفريدة من نوعها استحداث مواد طبية مثل الكحول الذي كان يُستخدم في علاج العديد من الأمراض ، ويعود الفضل في اكتشاف عملية التقطير إلى بلاد فارس، وقد كان الطبيب “ابن سيناء ” وراء اكتشاف آليّة صنع العطور غير الزيتيّة ، وقد سمح هذا الاكتشاف للفرس بإنتاج مياه الورد التي تشتهر بها المنطقة الآن ، وعلى الرغم من هذا الاكتشاف المهم في عالم العطور إلّا أن عملية التقطير كانت ولا تزال تُستخدم لغرض صناعة المياه المعطرة فقط ، ولم يُكتشف السّر إلّا لاحقاً عندما تم ابتكار تقنيات جديدة تسمح باستخراج الزيوت الأساسيّة لأوّل مرّة. كان جهاز التقطير والمسمى “تيرا كوتا”، يتكون من أوعية زجاجية، توضع فيها اوراق الأزهار ويصب فوقها الماء المغلي ثم تغلق فتحتها بقطعة من النسيج الذي يتشرب بأبخرة الزهور، ومن ثم يتم فصل الزيوت وعزلها في زجاجات منفصلة، وتعد تلك اقدم آلية بدائية لتقطير الزيوت العطرية.
 
تعتبر مدينة “غراس” الفرنسية عاصمة العطور في العالم ، وتقع هذه البلدة الصغيرة جنوب فرنسا، وقد ساهمت بشكل كبير في بداية صناعة العطور لعدة قرون، بدءاً من العام 1400 ميلادي، عندما قام “إرمنتاري توسنتي” بافتتاح صيدليّته الخاصّة لبيع الزيوت والمكونات الطبيعية ، وبحلول اواخر القرن الثامن عشر، أشتهرت”غراس” بكونها مدينة العطور الآسرة ، وقد أُنشئت منذ تلك الفترة منازل العطور الشهيرة في باريس مثل ( جي بي دولاك – جي أل فارجيون – ولوبين )الذين اعتاد على ارتيادهم النخبة واصحاب الثروات.
 
 
أقدم صانِعة عطور في التاريخ:
تشير المخطوطات الحجرية من الألفية الثانية قبل الميلاد في الحضارة البابلية القديمة ، إلى أن الكيميائية Tapputi، التي كانت مسؤولة عن الحرملك أو الجواري في بلاطات القصور اول صانعة للعطور، عبر استخدامها اوراق الأزهار والدهن والبلسم والماء وبعض المذيبات الأخرى ولكن العطور عُرفت في وقت أبكر من ذلك ، وتحديداً في الحضارة الهندوسية القديمة3000 قبل الميلاد، فقد سجلت بعثة عالم الآثار باولو رفيستي، في عام 1975ميلادي وجود جهاز تقطير في وادي هندوس، في وقت أبكر بكثير مما كان المؤرخون يعتقدون أن التقطير قد استخدم لفصل الزيوت الأساسية الموجودة في النباتات.
ومع بدايات القرن الـ19 بدأ التطور الهائل في صناعة العطور، وتصنيفاتها، وخاصة مع التطور المذهل في علم الكيمياء والمذيبات ، وطرق الاستخلاص المختلفة ، وصارت العطور في متناول الجميع دون تفرقة بين العامة والنبلاء ، واصبحت تعبر عن شخصية مستخدمها وذوقه وميوله.

Print Friendly, PDF & Email
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.