تطرقنا، في المقال السابق لهذا، لمصطلح، أو وسيلة “الطابور الخامس”. وهو المصطلح الذي يرمز إلى: وجود قوى متخفية معادية، بالفعل، للمجتمع الذي توجد فيه، وموالية لبعض أعداءه. اذ غالباً ما تكون عناصر الطابور الخامس عبارة عن: عملاء مدفوع لهم (لتأييدهم للقوى المعادية لبلادهم وأمتهم) بدوافع: إيديولوجية، أو عرقية، أو سياسية، أو فكرية، أو منفعية، أو دينية، معينة…تجمع بينهم وبين الأعداء، المتربصين ببلادهم ومجتمعاتهم.
وكثيراً ما تلجأ بعض القوى الدولية، في الوقت الحاضر، لـ “تجنيد” أفراد أو جماعات…تروج لأفكار معينة، تخدم تلك القوى. وتهاجم الأفكار والتوجهات “الوطنية”، والمناوئة لأهدافها، وما إلى ذلك. فتدس في وسائل الاعلام ما يؤيد غاياتها المريبة، ويسفه ما يخالفها. وقد تلجأ القوى المستهدفة لعمل المثل. ويأخذ ذلك التجنيد صوراً مختلفة… ويتم بطرق متنوعة، يطول شرحها…وكثيرا ما ينعكس ذلك، ويتجسد، في بعض وسائل الاعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها.
****
ويبدو أن الأمة العربية هي الآن من أكثر أمم الأرض تعرضاً لوسيلة “الطابور الخامس”، وأضرارها… وربما أقلها استخداما لهذه الوسيلة – بمضمونها الإيجابي للامة – ضد أعداء العرب الحقيقيين. وتتفاوت بعض الدول العربية في درجة تضررها من هذه الوسيلة. ويظهر أن فلسطين، أرضا وشعبا، هي أكثر الأقطار العربية، في الوقت الحاضر، تضرراً من هذه الوسيلة الجهنمية. فالعربدة الإسرائيلية المتواصلة، ضد الشعب العربي الفلسطيني الأعزل، تتم أيضا بالاستعانة بـ “طابور خامس” قميء (داخلي وخارجي) ينكشف أمره يوماً بعد يوم. ولا يقتصر تامر إسرائيل على فلسطين، بل يمتد ليشمل العالمين العربي والإسلامي.
ومعروف، أن معظم الأمة العربية تمر، في الوقت الراهن، بظروف رهيبة وخطيرة، ربما لم يسبق لخطرها مثيلا من قبل. ووضعها العام بالغ السوء والمرارة، وواضح لذوي البصيرة. وقد شخص ما بها من علل… ووصف المخلصون من أبنائها ومصلحيها، الدواء… وسبل الخلاص والنجاة. ولكننا، وفي هذا الوقت بالذات، أصبحنا نرى: نشاطاً محموماً واستنفاراً مدروساً، لمن يمكن اعتبارهم – من حيث يدرون أو لا يدرون – عناصر طوابير خامسة … تعيث في أغلب الأرض العربية فساداً، وبلبلة، وتضليلاً، اما عن جهل، أو نفاق، أو انتفاع … ومن الواضح أن لهؤلاء تأثيرا سلبيا كاسحا على أوضاع بلادهم، وما الت اليه أحوالها. فهم، في نهاية الامر، أحد أبرز أسباب الوجع العربي الراهن.
****
لقد انبرت فئة من “العرب”، وخاصة في بعض وسائل الإعلام العربية، وكذلك بعض وسائل التواصل الاجتماعي، والفضائيات العربية، وغيرها، لتشكك في طبيعة العلة العربية، وتحاول “تسفيه” كل عناصر العلاج الناجع … والدواء الشافي – بإذن الله. فان قيل– مثلاً – أن: الحاق أذى ما بقطر عربي، وسحق شعبه، هو أمر ليس في صالح الأمة العربية ككل، قال بعض المشكوك في أمرهم : بلى … ان ذلك القطر يستحق عقابا، يجب ان يتم فوراً … ففي ذلك “مصلحة”؟! والبعض من هؤلاء يستشيط غضباً من سماع أي معارضة لمزيد من السيطرة الأمريكية والاسرائيلية بالمنطقة. ويحاول ان يخفى انحيازه السلبي هذا، رغم وقوفه مدافعاً عن “الظروف” التي تقود إلى مزيد من تلك الهيمنة (المحببة له) و”الضرورية للاستقرار”… مستخدماً منطقاً مغلوطاً، وعبارات مستهلكة وغير صحيحة. أو متوهما أن الذئب سيرعى الشياه، ويحميها. ما على الشياه الا التسليم، والخنوع. وإن قال المخلصون الغيورون على أوطانهم وأمتهم : إن تطبيع الأوضاع السياسية الشاذة – مثل آخر – والاتحاد والتكامل فيما بين الاشقاء، هو السبيل لنهضة عربية واعدة، استنفر بعضهم كل قواه، ليقول: أن الأوضاع الحالية “جيدة”، وان الاتحاد (وحتى التكامل) العربي هو ضرب من “الجنون” – أو بما معناه.
وهكذا، يحاول هؤلاء ذر الرماد في العيون، وخلط الأوراق، وإثارة البلبلة… بحجة حرية الرأي و”الموضوعية”، والواقعية… خدمة- من حيث يدرون، ولا يدرون – للأعداء، وضد أمتهم. ترى، ماذا يمكن اعتبار هؤلاء؟! ان وراء هذه المغالطات السياسية، أما الجهل السياسي المطبق، أو العمالة، أو الرغبة في الانتفاع، أو غيره . وبذلك، قد يكونون محسوبين على الطابور الخامس، من حيث يدرون (عن سبق الإصرار والترصد) أو لا يدرون (جهلا بحقيقة ما يجري بالفعل). إذا، يمكن إعادة تعريف مصطلح “الطابور الخامس” بأنه: الشخص، أو الأشخاص الذين يقولون/ وأو يفعلون ما يسئ لبلادهم، وأمتهم، بقصد، وبالوكالة عن أعداء وطنهم، أو نتيجة جهل سياسي بما يجري بالفعل من أحداث، ووقائع سياسية.
ويتساوى النوعان في مقدار الضرر الذي تسببه أقوالهم وأفعالهم لبلادهم، وأمتهم. ان “منطق” هؤلاء يكشف غالبا من الوهلة الاولى، ومن وجهة النظر الوطنية والقومية الحقيقية، كونهم من “الطابور الخامس”، ويزيح الأقنعة التي قد تستتر وراءها حقيقتهم، وما يهدفون اليه. حفظ الله بلادنا، وأمتنا من كل سوء.
************************************