نبحر معاً... في سماء الكلمة والخبر..

الاستخدام “الســـلمي” للطـــاقــــة النــــــووية ….؟!                    

بقلم/  د. صدقه يحيى فاضــــــــــل

   بعد فترة قصيرة من تمكن الانسان من تطوير تقنية استغلال القوة النووية حـربيــا، والتحكم في عملية الانشطار النووي، في العقد الرابع من القرن العشرين الماضي، استطاع العلماء أن يكتشفوا ويوجدوا طرقا وأساليب لاستخدام القوة النووية للأغراض السلمية. فبعد الاستخدام العسكري الناجح لهذه القوة الهائلة، أوضح العلم امكانية استخدامها من أجل الرفاه البشرى، وليس من أجل القتل والتدمير. وما زال عدد الدول المهتمة بالقوة النووية كمصدر للطاقة السلمية، بصفة أساسية، يتزايد، ليصل الى حوالي سبعين دولة في الوقت الحاضر. 

    في شهر ديسمبر عام 1938م في برلين، تمكن العالمان الالمانيان “فريتز ستراوشمان” و “أوتو هانز”، من اكتشاف الانشطار النووي، بعد تجارب عملية أجرياها على الذرة وعملية انشطارها. ولكن أمريكا كانت أول دولة تطور وتستعمل القوة النووية، للغرضين العسكري والسلمي. ويرجع اهتمام أمريكا بالطاقة النووية الى الاربعينات من القرن العشرين. ففي بداية عام 1943م، تم انشاء مشروع سرى عملاق، هدفه صناعة قنابل نووية، لكسب الحرب العالمية الثانية، هو ما سمى بـ “مشروع مانهاتن”. وفي عام 1942م، جرى في الولايات المتحدة أول انشطار نووي متحكم فيه- داخل مفاعل نووي. وبتاريخ 24/7/ 1945م، ألقت أمريكا أول قنبلة ذرية على مدينة هيروشيما اليابانية. وبتاريخ 31/9/1946م، أسست الولايات المتحدة لجنة الطاقة الذرية (AEC) لتخلف “مشروع مانهاتن” الذى أنتج وطور، لأول مرة في التاريخ البشرى، السلاح النووي الأمريكي. وأصبحت تلك اللجنة الاولى من نوعها، المسؤول الاول عن كل أعمال القوة النووية في أميركا، وعهد الى هيئات عسكرية أمر تطوير وصنع الاسلحة النووية، وامداد الجيش الأمريكي بما يحتاج اليه من هذا النوع من الاسلحة الاشد فتكا.

                                     

    شرعت أميركا في استحداث الهيئات والادارات اللازمة التي تشرف على الاستغلال العسكري والسلمي لهذه الطاقة، التي تكتشف، وتستغل، لأول مرة. فتم في عام 1974م حل لجنة الطاقة الذرية الامريكية، واستحداث هيئتين للإشراف على الاعمال النووية بأميركا بدلا من تلك اللجنة. حيث تم انشاء اللجنة التنظيمية النووية (NRC) لتتولى القيام بالسلطات التشريعية والتنظيمية التي كانت تمارسها لجنة الطاقة الذرية السابقة. كما أنشئت مديرية أبحاث وتطوير الطاقة (ERDA) وأوكل اليها أمر أبحاث وتنمية الطاقة النووية.

                                      ****

وأنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة “لجنة الطاقة الذرية” للتعامل مع الاشكاليات الخطيرة التي أثارها اكتشاف واستغلال الطاقة النووية، في نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي توجت بإلقاء قنبلتين نوويتين على مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين. كما أدى خطاب تاريخي القاه الرئيس الامريكي دوايت أيزنهاور عام 1953م، في أطار ما سمى بـ ” برنامج الذرة من أجل السلام”، الى انشاء “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” (IAEA)عام 1957م، لدعم الاستخدام السلمي للطاقة النووية في كل أرجاء العالم، ومنع استخدام هذه الطاقة للأغراض العسكرية. وخولت المؤسسات النووية الامريكية للتعاون مع الدول الصديقة لأمريكا، في المجال النووي، وفق أنظمة صارمة محددة. 

  وبدأت دول العالم، ومنها بعض الدول العربية، تنشئ وكالات ولجان وطنية لتطوير واستغلال الطاقة النووية. أما أمر صنع أسلحة نووية، فيوكل عادة الى هيئات سرية خاصة، تعمل على امتلاك هذه الاسلحة المحظورة عالميا. ويعتبر الانشطار النووي من أهم مصادر الطاقة التي تعلق البشرية عليها امالا عراضا لتكون المنقذ في المستقبل من خطر نضوب المصادر الاخرى للطاقة، أو ازدياد ندرتها. كما ان كلفة استخدام المفاعلات النووية لتوليد الكهرباء اخذة في التناقص منذ بداية ارتفاع أسعار مصادر الطاقة الاخرى. أما الطاقة النووية الناتجة عن الالتحام النووي (Fusion) فقد تمكن العلماء مؤخرا من ايجاد طرقا لاستغلالها للأغراض السلمية أيضا. وما زالت البحوث جارية لتحقيق هذه الغاية.

                                   ****

وأفتتح عام 1957م بالولايات المتحدة أول مفاعل نووي يستعمل لتوليد الكهرباء للأغراض التجارية طاقته 60 ميغاوات، وذلك في مدينة ” شبنجبورت” بولاية بنسلفانيا. ومنذ ذلك الحين، حدثت تطورات كبيرة في مجال تشغيل وتقنية وفاعلية المفاعلات النووية. وانتشر استعمال هذه المفاعلات في بلاد أخرى كثيرة. حيث زاد استخدام المفاعلات النووية زيادة رأسية (في أميركا) وأفقية (في دول كثيرة أخرى).  

  فلقد انتشرت منشئات القوة النووية بشكل واسع، رغم حذر الدول الكبرى، ومعارضتها لهذا الانتشار، الذي يظهر بوضوح في عدد المفاعلات النووية التي تولد الطاقة، ويتم عبرها تحلية مياه البحر وتفعيل بعض الاستخدامات الطبية، ويطلق عليها “المفاعلات التجارية”، وكذلك مفاعلات الابحاث المنتشرة في عدة دول. وحتى بداية عام 2016م، كان هناك 444 مفاعلا للطاقة النووية، تقوم بتوليد الكهرباء في أكثر من ثلاثين بلدا في شتى أنحاء العالم. وتنتج هذه المفاعلات حوالي 17% من الكهرباء المنتجة في العالم. وهناك حوالي 66 محطة نووية (مفاعلا) قيد الانشاء في أكثر من 30 بلدا اخر.

وبالإضافة الى استخدام القوة النووية كطاقة، هناك عدد كبير من الاستعمالات السلمية لهذه الطاقة، تم تطوير بعضها، وما زال البعض الاخر في طور التجارب والتطوير. على سبيل المثال لا الحصر، أمكن بناء غواصات وحاملات طائرات تسير بمحركات تستعمل الوقود النووي. ووجد ان التفجير النووي الهائل يمكن استخدامه لأغراض اقتصادية سلمية. وذلك للتنقيب عن الموارد الطبيعية الكامنة في الارض أو تحت الماء، أو لبناء الطرق والانفاق في الجبال الوعرة، وما الى ذلك. كما تستعمل بعض النظائر المشعة، التي يمكن الحصول عليها من التفاعل النووي، لأغراض طبية وصناعية وزراعية مفيدة للإنسانية. 

  ونظرا للارتباط الوثيق بين المنشآت النووية السلمية، وعملية صنع أسلحة نووية، فان كل محبي السلام في العالم يخشون ان يتسبب التوسع في استخدام القوة النووية لـ “أغراض سلمية”، في انتشار الاسلحة النووية التي تشكل تهديدا خطيرا للسلام العالمي. فالدول التي تريد الحصول على أسلحة نووية، قد تتمكن من صنع هذه الأسلحة محليا، بالاستعانة بما قد يكون لديها من منشآت ومواد نووية “سلمية”… كمـــا حصـــل في عـــدة دول.

*********************************************************

Print Friendly, PDF & Email
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.